دليلك لتجنب مخالفات العمل (الجزء الأول - الالتزام بالدوام، لماذا لا تكفي بصمة الحضور؟)

بقلم: الأستاذ/ عمر يوسف بادي – قانوني وكاتب ضيف
قد يبدأ الأمر بتأخيرٍ تراه بسيطًا، أو رسالةٍ تكتبها في لحظة انفعال، أو مهمةٍ تؤجلها دون أن تدرك ما قد يترتب على ذلك. فأين تنتهي مساحة التصرف المسموح، وتبدأ المخالفة الوظيفية؟ في سلسلة (دليلك لتجنب مخالفات العمل)، نقترب من هذه الحدود عبر ثلاث مقالات تتناول أبرز التزامات الموظفين والعاملين في دولة الإمارات: الالتزام بأيام العمل وساعاته، وقواعد السلوك المهني، وأداء المهام الوظيفية ومستوى الأداء المطلوب. ومن خلال مواقف عملية وأمثلة من واقع الحياة المهنية، نشرح الأحكام القانونية بلغة واضحة، ونصحح المفاهيم الشائعة، ونربط القواعد القانونية بأمثلة تطبيقية والواقع العملي لجهات العمل وموظفيها، ونبين سبل تجنب المخالفات والتعامل السليم مع المساءلة، مع مراعاة اختلاف التشريعات والأنظمة بين الجهات والقطاعات. نخاطب القانونيين وغير القانونيين، انطلاقًا من قناعة بأن معرفة الحقوق وفهم الواجبات وجهان لوعيٍ وظيفي واحد؛ يساعدك على العمل بثقة، واتخاذ القرار الصحيح، وحماية موقفك القانوني.
الالتزام بالدوام، لماذا لا تكفي بصمة الحضور؟
تخيّل أن موظفًا اعتاد الوصول متأخرًا بضع دقائق، وكان يطمئن نفسه بقوله: أنا أنجز عملي، وأحيانًا أبقى بعد انتهاء الدوام، فما المشكلة؟ وفي يوم آخر، غادر لإنجاز معاملة شخصية بعدما أخبر أحد زملائه، معتقدًا أن الإبلاغ يكفي. ثم فوجئ باستدعائه للتحقيق بشأن مخالفات الحضور والانصراف.
هذا مشهد افتراضي، لكنه يطرح سؤالًا مهمًا: هل الالتزام بالدوام يعني إكمال عدد من الساعات بأي طريقة، أم يعني احترام مواعيد العمل وضوابطه أيضًا؟
لفهم الإجابة، ينبغي أن نبدأ بفكرة بسيطة: معرفة واجباتك لا تقل أهمية عن معرفة حقوقك. وليس المقصود أن تعمل خائفًا من المخالفة، بل أن تعرف كيف تتصرف بثقة، وكيف تمنع سوء الفهم قبل أن يتحول إلى نزاع.
قبل أن تسأل عن المخالفة… اعرف النظام الذي يحكم عملك
لا يخضع جميع العاملين في دولة الإمارات لنظام وظيفي واحد. فالقطاع الخاص تحكمه، بوجه عام، أحكام المرسوم بقانون اتحادي رقم 33 لسنة 2021 بشأن تنظيم علاقات العمل وتعديلاته ولائحته التنفيذية. أما الموظفون المدنيون في الجهات الاتحادية فيخضعون لقانون الموارد البشرية الاتحادي، والتشريعات المكملة له، بينما تطبق الحكومات المحلية بالإمارات تشريعاتها وأنظمتها الخاصة بهذا الشأن. ولذلك، لا يصح نقل حكم يتعلق بموظف او عامل في شركة خاصة وتطبيقه تلقائيًا على موظف حكومي، كما توجد اختلافات بين الأنظمة والتشريعات المطبقة في الجهات الحكومية الاتحادية عن الجهات الحكومية التابعة للحكومة المحلية في إحدى الإمارات.
كذلك، توجد أنظمة خاصة، تطبق على فئات محددة من العاملين أو جهات ذات طبيعة خاصة تتميز بمجالها وارتباطاتها المحلية والدولية وهو ما ينعكس على أنظمة وتشريعات الموارد البشرية المطبقة عليها، ومن بينها نظام عمال الخدمة المساعدة، وتشريعات التوظيف في مركز دبي المالي العالمي وسوق أبوظبي العالمي. وتتناول هذه السلسلة القواعد العامة للعلاقة الوظيفية، مع بيان نطاق الأحكام الخاصة كلما وردت؛ فلا تُقرأ باعتبارها نظامًا موحدًا لجميع العاملين في الدولة.
ابدأ بقراءة عقد عملك وقرار تعيينك، وتعرف على نظام الموارد البشرية المطبق عليك واقرأه، وسياسة الحضور والإجازات. ولا تجعل عبارة (هكذا يفعل الجميع) مرجعيتك في عملك؛ فالممارسة المتداولة قد لا تطابق القاعدة المعتمدة.
أنت ملتزم بأيام ومواعيد ساعات العمل، لا بمجموعها فقط
لنفترض أن موعد عملك يبدأ في الثامنة صباحًا، فوصلت في الثامنة والنصف، ثم بقيت نصف ساعة إضافية. حسابيًا، قد يكون مجموع ساعات العمل واحدًا، لكن على أرض الواقع قد تكون فاتتك مناوبة، أو تأخرت على متعامل، أو تعطلت مهمة مرتبطة بزميل أو فريق عمل آخر.
لهذا، لا تفترض أن البقاء بعد نهاية الدوام ستغطي التأخير تلقائيًا. اسأل عن نظام المرونة المطبق، وهل يسمح بتغيير مواعيد العمل في بداية ساعات العمل؟ وهل توجد ساعات حضور إلزامية؟ وكيف تُعالج الأذونات؟ وفي حكومة دبي، مثلًا، يلزم قانون الموارد البشرية الموظف بعدم ترك مقر العمل أو التوقف عن مزاولة مهامه إلا بموافقة رئيسه المباشر المسبقة، وبإخطاره عند تعذر الحضور.
والفكرة نفسها تنطبق على تسجيل الحضور فهو وباختلاف آلياته يعتبر وسيلة لإثبات استيفاء أحد الالتزامات الوظيفية المتعلقة بساعات ومواعيد العمل، ومن المهم في هذا الخصوص التمييز بين خطأ تقني أو نسيان تسجيل الدخول، وبين إثبات حضور لا يتطابق مع الواقع؛ فالأول يستدعي طلب التصحيح وتقديم ما يثبت، بينما قد يثير الثاني مسألة تتجاوز الوقت إلى مخالفات تتعلق بإساءة استخدام أنظمة الدوام وتقديم بيانات غير صحيحة لجهة العمل، بحسب الوقائع والنظام المطبق. وهو ما يتعارض مع مبادئ النزاهة والشفافية والامتثال المقررة في أنظمة الموارد البشرية.
نصيحة عملية: إذا نسيت التسجيل أو اثبات وقت الحضور او الانصراف عن العمل، لا تحاول إصلاح الأمر ببيانات غير صحيحة. قدّم طلب تصحيح واضحًا، ودع السجل يعكس ما حدث فعلًا.
ساعات العمل ليست مفتوحة بلا حدود
الالتزام بالدوام لا يعني أن وقت العامل متاح لصاحب العمل دون حد. ففي القطاع الخاص الخاضع لقانون تنظيم علاقات العمل، تكون ساعات العمل العادية ضمن حدود وهي ثماني ساعات يوميًا أو ثمانٍ وأربعون ساعة أسبوعيًا، مع مراعاة الاستثناءات المقررة. وكقاعدة عامة، لا يجوز تشغيل العامل أكثر من خمس ساعات متتالية دون فترة أو فترات راحة لا يقل مجموعها عن ساعة، ولا تدخل هذه الفترات في حساب ساعات العمل. كما تُخفض ساعات العمل العادية خلال شهر رمضان.
ويستحق العامل في هذا القطاع راحة أسبوعية مدفوعة لا تقل عن يوم، وفق ما يحدده العقد أو نظام العمل. لذلك، لا تفترض أن يوم الراحة يجب أن يكون يومًا معينًا لمجرد أنه يوم عطلة لدى أصدقائك؛ فقد تختلف الجداول بسبب طبيعة النشاط أو نظام المناوبات.
أما العمل الإضافي، فله ضوابط وحدود ومقابل مقرر قانونًا، وليس مجرد امتداد غير محدد للدوام. والقاعدة العامة في القطاع الخاص تقيد الساعات الإضافية بساعتين يوميًا، مع الاستثناءات القانونية. أما الموظف الحكومي، فيرجع إلى نظام العمل الإضافي والتكليف والتعويض المعمول به في جهته، لا إلى أحكام القطاع الخاص تلقائيًا.
والتصرف المتوازن هو ألا ترفض كل تكليف بعد الدوام باعتباره غير مشروع، وألا تعتبر كل رسالة مسائية التزامًا دائمًا بالعمل. تمتع بالمرونة المعقولة، وتعامل بإيجابية موزونة مع متطلبات العمل واعلم أنه من حقك أن تعرف طبيعة التكليف الإضافي ومدته وطريقة احتسابه وفق النظام الذي تخضع له.
العمل عن بُعد يغيّر المكان، لا يلغي الالتزام
قد يظن البعض أن العمل عن بعد يمنحه حرية ترتيب اليوم كله كما يشاء بما فيها ساعات العمل الرسمية، ما دام سيسلّم المهمة في المواعيد المحددة لذلك. إلا أن ذلك يتوقف على شكل العمل المتفق عليه، هل الالتزام مرتبط بساعات محددة، أم بمخرجات، أم بكليهما؟
وفي مثال تشريعي واضح، يلزم نظام العمل عن بُعد لموظفي حكومة دبي الموظف باحترام ضوابط العمل، والتواصل، وإنجاز المهام بنفسه، وتقديم تقارير الإنجاز المطلوبة، والحضور إلى مقر العمل عند طلبه وفق أحكام النظام. فالعمل عن بُعد ليس انقطاعًا عن الإدارة أو الفريق.
لتجنب الالتباس، استفسر عن أو اتفق مسبقًا على ساعات العمل، وآلية التواصل، والاجتماعات المطلوبة. ومتى وكيفية تسليم مخرجات العمل.
الإجازة حق، لكن طلبها ليس إذنًا بالغياب
هناك فرق بين استحقاق الإجازة وبين تحديد موعد استخدامها. ففي الإجازة السنوية في القطاع الخاص، ينظم القانون توقيتها وفق مقتضيات العمل وبالاتفاق مع العامل، مع الضوابط المقررة. لذلك، فإن وجود رصيد إجازات لا يعني أن العامل يستطيع تحديد بدايتها من طرف واحد، كما أن إرسال الطلب لا يساوي اعتماده.
قدم طلب الإجازة وفق الإجراءات المعتمدة في مؤسستك، ولا تعتبر عدم الرد موافقة، بل تابع الطلب، وتأكد من اعتماده، وتوثيق هذا الاجراء وأي تعديل يطرأ على موعده، وعلى جهة العمل التعامل بمرونة واتزان مع طلبات الاجازة وعدم التعسف في رفضها وتحديد مواعيدها ومن الأفضل تحديد جدول بمواعيد إجازات موظفي الإدارة يراعى فيه مصلحة الموظفين والعمل، كما أن على الموظف التعامل بالمرونة المعقولة مع طوارئ العمل فعلاقة عمل متوازنة وإيجابية يتعامل فيها كلا من العامل أو الموظف وجهة العمل بمرونة ومراعاة للطرف الآخر وحقوقه والتزاماته ستثمر استقرار وظيفيا وبيئة إيجابية منتجة تحمي الحقوق وتتصف بالفعالية والنمو.
لكن الإجازات ليست كلها من النوع نفسه؛ فالمرض والظروف التي يرتب القانون عليها استحقاقًا خاصًا لا تُعامل ببساطة معاملة طلب إجازة سنوية اختار الموظف توقيتها. وفي القطاع الخاص، يجب على العامل المصاب بمرض غير ناشئ عن إصابة عمل إبلاغ صاحب العمل أو من يمثله خلال مدة لا تزيد على ثلاثة أيام عمل من تاريخ الاجازة المرضية، وتقديم تقرير طبي صادر عن الجهة الطبية.
وعندما يقع ظرف طارئ، يكون المسار الأكثر أمانًا هو الإبلاغ بأسرع ما تسمح به الظروف، وشرح الواقعة بصدق، وتقديم المستندات المطلوبة. وتقييم العذر ينبغي أن يرتبط بحقيقته وظروفه، لا بمجرد الانطباع الأول.
سبعة أيام أو عشرون يومًا… ليست رصيد غياب
من أخطر القراءات الخاطئة للقانون أن يسمع العامل رقمًا يتعلق بالفصل، فيفهم منه أنه يستطيع الغياب حتى بلوغه دون مساءلة.
في القطاع الخاص، تجيز المادة 44 الفصل دون إنذار إذا تغيب العامل دون سبب مشروع أو عذر يقبله صاحب العمل أكثر من عشرين يومًا متقطعة خلال السنة الواحدة، أو أكثر من سبعة أيام متتالية. والعبارة هي أكثر من، وليست مجرد بلوغ العدد. كما يرتبط هذا الفصل بإجراء تحقيق كتابي وصدور قرار مكتوب ومسبب وتسليمه للعامل.
لكن هذه الحدود لا تمنح ترخيصًا بالغياب لمدد أقل؛ فقد يستوجب الغياب الأقصر جزاءً تأديبيًا مناسبًا وفق الإجراءات القانونية. أما الموظف الحكومي، فلا تُنقل إليه هذه الأرقام؛ إذ تحكم انقطاعه عن العمل النصوص الخاصة بنظامه الوظيفي.
وهنا تظهر قاعدة تستحق التذكر: الحد الذي يجيز إجراءً أشد ليس حدًا تبدأ عنده المخالفة.
الاستقالة لا تعني أن التزاماتك انتهت فورًا
قد يقدم العامل استقالته، ثم يتعامل مع فترة الإنذار باعتبارها وقتًا شكليًا لا يستلزم الالتزام السابق. لكن الأصل في القطاع الخاص أن عقد العمل يستمر خلال هذه الفترة، ويلتزم العامل بالعمل إذا طلب منه صاحب العمل ذلك، ما لم يوجد إعفاء أو اتفاق أو سبب قانوني يغيّر هذا الوضع.
لذلك، تأكد من تاريخ آخر يوم عمل، وأي إعفاء من الحضور، وخطة تسليم المهام. ولا تجعل خلافًا في نهاية العلاقة يمحو سنوات من الأداء الجيد.
الخلاصة: تجنب مخالفات الدوام لا يحتاج إلى حيل حسابية، بل إلى وضوح: اعرف جدولك، واحصل على الموافقة حيث تلزم، وأبلغ عن الظروف الطارئة، ووثّق ما يحدث بصدق. فالامتثال ليس مجرد وجود اسمك في سجل الحضور، وإنما وجودك في العمل بالطريقة التي يقتضيها التزامك.
وفي المقال التالي، ننتقل من سؤال متى تحضر؟ إلى سؤال لا يقل أهمية: كيف تتصرف عندما تحضر؟
ملاحظة قانونية: أُعدت هذه السلسلة للتوعية العامة بالاستناد إلى التشريعات والمصادر الرسمية المتاحة حتى 7 سبتمبر 2026. ويتوقف تطبيق أي حكم على طبيعة جهة العمل، والنظام الذي يحكم العلاقة، والعقد واللوائح ذات الصلة، ووقائع الحالة؛ لذلك لا تغني المعلومات العامة عن المشورة القانونية المتخصصة عند وجود نزاع محدد.
قام بكتابة هذا المقال الأستاذ عمر يوسف بادي بصفته كاتباّ ضيفاً وقانونياً. للتواصل أو الاستفسار عن خدماتنا، يرجى مراسلتنا عبر support@yybadvocate.com .



تعليقات