سلسلة «لوائح ونظم الموارد البشرية: درعُ صاحب العمل القانوني في ضوء التشريعات الإماراتية» - المقال الأول: الأساس التشريعي للوائح الموارد البشرية واللوائح الإلزامية على صاحب العمل

بقلم: الأستاذ/ عمر يوسف بادي – قانوني وكاتب ضيف
بعد أن تناولنا الشهر الماضي الالتزام بالدوام من منظور الموظف ضمن سلسلة «دليلك لتجنب مخالفات العمل»، ننتقل هذا الشهر إلى منظور صاحب العمل، لنبدأ سلسلة جديدة حول لوائح ونظم الموارد البشرية. وسنعود في أعداد لاحقة لاستكمال السلسلة الأولى، ضمن محتوى يتناول حقوق والتزامات طرفَي علاقة العمل.
لم تعد إدارة الموارد البشرية في منشآت القطاع الخاص بدولة الإمارات العربية المتحدة شأناً إدارياً داخلياً يُترك لاجتهاد المديرين وتقديرهم الشخصي، بل غدت نشاطاً منظَّماً بقواعد آمرة تحكمها منظومة تشريعية متكاملة، يتصدرها المرسوم بقانون اتحادي رقم (33) لسنة 2021 بشأن تنظيم علاقات العمل وتعديلاته (ويُشار إليه فيما يلي بـالمرسوم بقانون)، وقرار مجلس الوزراء رقم (1) لسنة 2022 في شأن لائحته التنفيذية (ويُشار إليه بـاللائحة التنفيذية)، فضلاً عن القرارات الوزارية المنفذة لهما، وما يتصل بعلاقة العمل من تشريعات أخرى، كالمرسوم بقانون اتحادي رقم (45) لسنة 2021 بشأن حماية البيانات الشخصية.
وفي ظل هذه المنظومة، لم يعد السؤال المطروح على صاحب العمل: هل أحتاج إلى لوائح مكتوبة للموارد البشرية؟ بل: كيف أبني منظومة لائحية متسقة مع التشريع، قادرة على حماية المنشأة وإثبات مشروعية قراراتها أمام وزارة الموارد البشرية والتوطين والمحاكم المختصة؟ فاللائحة المكتوبة والمعتمدة والمعلنة ليست مجرد أداة تنظيمية، بل وسيلة وقاية قانونية ودليل إثبات مُعدّ سلفاً، يُحصّن القرار الصادر وفقاً لها من الطعن عليه بالتعسف أو التحيز أو مخالفة القانون.
ويتناول هذا المقال، وهو الأول من سلسلة من ثلاثة مقالات، الأساسَ القانوني للوائح الموارد البشرية، واللوائح والنظم التي يُلزم المشرّع صاحبَ العمل بوضعها؛ على أن يتناول المقال الثاني اللوائح غير الإلزامية وأوجه حماية اللوائح لصاحب العمل، ويُخصَّص المقال الثالث لبيان أن تقييد الصلاحيات بالنص حمايةٌ للمسؤول لا انتقاصٌ من سلطته، ولشروط حجية اللوائح.
أولاً: الأساس التشريعي للوائح الموارد البشرية
يقوم عقد العمل، بحسب تعريفه الوارد في المادة (1) من المرسوم بقانون، على التزام العامل بأن يعمل في خدمة صاحب العمل وتحت إشرافه وتوجيهه مقابل أجر. وعنصر الإشراف والتوجيه هذا هو المصدر القانوني لما يُعرف بسلطة صاحب العمل في التنظيم والإدارة والتأديب. غير أن المشرّع الإماراتي لم يترك هذه السلطة مطلقة، بل أحاطها بضوابط موضوعية وإجرائية، وأحال في مواضع عديدة إلى نظام المنشأة ولوائحها وتعليماتها المكتوبة، بما يجعل اللائحة الداخلية الأداة التي تُمارَس من خلالها هذه السلطة على نحو مشروع.
ومن أبرز الشواهد على ذلك أن المادة (1) ذاتها، في تعريفها للأجر، تعتدّ بالمزايا العينية المقررة كجزء من الأجر في عقد العمل أو نظام المنشأة، وأن المادة (39) لا تُجيز جزاء الحرمان من العلاوة الدورية إلا في المنشآت التي تعتمد نظاماً للعلاوات، ولا جزاء الحرمان من الترقية إلا في المنشآت التي يوجد بها نظام للترقية، وأن البند (3) من المادة (44) يشترط لفصل العامل دون إنذار بسبب مخالفته تعليمات النظام الداخلي المتعلقة بالسلامة أن تكون هذه التعليمات مكتوبة ومعلقة في مكان ظاهر، وأن يكون العامل قد أحيط بها علمًا، فالمشرّع، في كل هذه المواضع، لا يعترف بأثر السلطة التقديرية لصاحب العمل إلا متى كانت مستندة إلى نظام مكتوب ومعلن سلفاً.
ويترتب على ذلك قاعدة عملية حاسمة: إن صاحب العمل الذي يفتقر إلى لوائح مكتوبة لا يفقد سلطته من الناحية النظرية، لكنه يفقد القدرة على ممارستها على نحو يصمد أمام الرقابة الإدارية والقضائية؛ إذ يتعذر عليه حينئذ أن يُثبت أن العامل كان عالماً بالقاعدة التي خالفها، أو أن الجزاء الموقّع كان مقرراً سلفاً، أو أن القرار صدر من مختص وفق إجراء محدد.
ثانياً: اللوائح والنظم التي يُلزم المشرّع صاحبَ العمل بوضعها
فرضت اللائحة التنفيذية على فئة من المنشآت التزامات صريحة بوضع لوائح مكتوبة، وربطت المعيار بحجم العمالة، كما تضمن المرسوم بقانون التزامات أخرى تقتضي بطبيعتها وجود نظم وإجراءات موثقة. ويمكن إجمال أهم هذه الالتزامات فيما يلي:
1. لوائح تنظيم العمل: أوجبت المادة (14) من اللائحة التنفيذية على المنشآت التي يعمل لديها خمسون عاملاً فأكثر وضع لوائح لتنظيم العمل، كلائحة تعليمات العمل، ولائحة الجزاءات، ولائحة الترقيات والمكافآت متضمنةً معاييرها وضوابطها، وإجراءات إنهاء علاقة العمل، بما لا يخالف أحكام المرسوم بقانون، مع إحاطة العامل بها وتوعيته بها بأي وسيلة متاحة وباللغة التي يفهمها.
2. لائحة الجزاءات التأديبية: توضّح المخالفات وما يقابلها من الجزاءات المنصوص عليها حصراً في المادة (39) من المرسوم بقانون، وهي: لفت النظر الخطي، والإنذار الخطي، والخصم من الأجر بما لا يجاوز أجر خمسة أيام في الشهر، والإيقاف عن العمل مع الحرمان من الأجر مدة لا تزيد على أربعة عشر يوماً، والحرمان من العلاوة الدورية مدة لا تزيد على سنة، ومن الترقية مدة لا تزيد على سنتين، والفصل من الخدمة مع حفظ الحق في مكافأة نهاية الخدمة، مع مراعاة التناسب بين الجزاء وجسامة المخالفة.
3. نظام الشكاوى والتظلمات: ألزمت اللائحة التنفيذية صاحب العمل الذي يستخدم خمسين عاملاً فأكثر بوضع نظام للشكاوى والتظلمات يُتاح للعمال الاطلاع عليه، يكفل حق العامل في رفع تظلمه والرد عليه كتابياً خلال مدة محددة.
4. تعليمات السلامة والصحة المهنية: تقتضي التزامات الوقاية والسلامة المقررة في المادة (36) من المرسوم بقانون تعليماتٍ مكتوبة ومعلنة، هي فضلاً عن ذلك شرطٌ لإعمال حق الفصل دون إنذار المقرر في البند (3) من المادة (44).
5. السجلات والملفات: يفرض المرسوم بقانون ولائحته التنفيذية الاحتفاظ بالسجلات والملفات المتعلقة بالعمال، ومنها ملف العامل الذي تُودع فيه محاضر التحقيق والجزاءات، مما يستلزم نظاماً موثقاً لإدارة السجلات وحفظها.
6. نظام سداد الأجور: توجب المادة (22) سداد الأجر في مواعيد استحقاقه وفق الأنظمة المعتمدة لدى الوزارة، وتحصر المادة (25) حالات الاقتطاع من الأجر، مما يستلزم سياسة واضحة للأجور والخصومات في حدود هذين النصين. وتجدر الإشارة إلى أن ربط الالتزام بوضع لوائح تنظيم العمل بمعيار الخمسين عاملاً لا يعني إعفاء المنشآت الأصغر من تبعات غياب اللوائح؛ ذلك أن ضوابط التأديب، وإجراءات التحقيق، واشتراطات الفصل دون إنذار، وحصر حالات الخصم من الأجر، تسري على جميع أصحاب العمل أياً كان عدد عمالهم، ولا سبيل عملياً إلى الالتزام بها وإثبات هذا الالتزام إلا من خلال نظم وإجراءات مكتوبة.
وتجدر الإشارة إلى أن ربط الالتزام بوضع لوائح تنظيم العمل بمعيار الخمسين عاملاً لا يعني إعفاء المنشآت الأصغر من تبعات غياب اللوائح؛ ذلك أن ضوابط التأديب، وإجراءات التحقيق، واشتراطات الفصل دون إنذار، وحصر حالات الخصم من الأجر، تسري على جميع أصحاب العمل أياً كان عدد عمالهم، ولا سبيل عملياً إلى الالتزام بها وإثبات هذا الالتزام إلا من خلال نظم وإجراءات مكتوبة.
في المقال القادم: نتناول اللوائح والنظم التي لم يُلزم المشرّع بوضعها بنص صريح لكنها تُعدّ ضرورة قانونية وعملية، ونبيّن أوجه الحماية التي توفرها لوائح الموارد البشرية لصاحب العمل ومصالحه.
في المقال القادم: نتناول اللوائح والنظم التي لم يُلزم المشرّع بوضعها بنص صريح لكنها تُعدّ ضرورة قانونية وعملية، ونبيّن أوجه الحماية التي توفرها لوائح الموارد البشرية لصاحب العمل ومصالحه.
ملاحظة: يتناول هذا المقال الأحكام السارية على منشآت القطاع الخاص الخاضعة للمرسوم بقانون اتحادي رقم (33) لسنة 2021 وتعديلاته، دون المناطق الحرة المالية ذات التشريعات الخاصة كمركز دبي المالي العالمي وسوق أبوظبي العالمي.
قام بكتابة هذا المقال الأستاذ عمر يوسف بادي بصفته كاتباّ ضيفاً وقانونياً. للتواصل أو الاستفسار عن خدماتنا، يرجى مراسلتنا عبر support@yybadvocate.com



تعليقات